الفرق بين التوبة والتوبة النصوح

الفرق بين التوبة والتوبة النصوح
الفرق بين التوبة والتوبة النصوح

ما الفرق بين التوبة والتوبة النصوح، فالمسلم يسعى دومًا لأن يتوب إلى الله تعالى من كل ذنوبه، وذلك كي يلقاه يوم القيامة وهو أبيض من الذنوب والخطايا وليس عليه أيّ ذنب أو إثم، ولكن هنالك التوبة وهنالك أيضًا التوبة النصوح التي قد حثّ عليها الإسلام بما جاء من آيات أو أحاديث نبوية شريفة، وفي هذا المقال سوف يكون هنالك وقفة مع بيان الفرق بين التوبة والتوبة النصوح وما يتصل بذلك من موضوعات أخرى.

الفرق بين التوبة والتوبة النصوح

إنّ التوبة هي ما توافرت به ثلاثة شروط، وهذه الشروط هي: الندم على المعصية، والإقلاع عنها، وعزم النفس علم عدم معاودة هذه المعصية مرّة أخرى، أمّا التوبة النصوح فقد اختلف في معناها العلماء على أقوال، ومما جاء في تعريف هذه التوبة:[1]

  • هي التوبة التي لا رجعة فيها، فالتائب عن الذنب لا يعود إليه مرك أخرى.
  • هي كره الذنب الذي كان محبوبًا، والاستغفار عند ذكره.
  • هي التوبة التي يشك الإنسان بقبول الله لها، ويبقى في خوف اتجاهها.
  • وقيل هي التوبة التي تجمع أربعة أشياء، وهذه الأشياء هي: استغفار الله تعالى في اللسان، وإقلاع الجسد عن المعصية، وإخفاء النية بعدم العودة للذنب مرة أخرى، والبعد عن رفقاء السوء
  • وقيل هي التي يكون صاحبها ساري الدمع مكفوف القلب عن الذنوب.

شاهد أيضًا: كيف تثبت على التوبة ، كيفية التوبة من الذنب وعدم الرجوع إليه

متى تقبل التوبة

إنّ الله عزّ وجل غفورٌ رحيم عفوٌّ كريم، فإذا قصده العبد تائبًا فلن يخيب أبدًا، وقد جاء في الصحيح عن النبي في عدة أحاديث كلّما سأله سائل عن مغفرة الله بأنّ الله يغفر الذنوب إذا ما تاب المسلم من ذنبه توبةً صادقة، ومن ذلك ما جاء عن النبي: “الإسلامُ يَجُبُّ ما قبلَه والتوبةُ تَجُبُّ ما قبلَها”،[2] وعليه فبمجرد كون التوبة توبة صادقة نصوح وتوفّرت بها شروط صحّة التوبة يغفر الله بها الذنب مهما عظم، فقد قال الله عزّ وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.[3]

وأمّا عن الشروط التي ينبغي أن تتوفّر في التوبة حتى يقبلها الله جلّ في علاه فهي:[4]

  • الإقلاع عن الذنب وتركه.
  • الندم على ما فعله العبد من ذنب.
  • جهاد النفس على عدم العودة إليه مرة أخرى، وينبغي كذلك لمريد التوبة أن يسارع إليها قبل أن يحضره الموت، فحينها لن تنفعه توبة ولن يقبلها الله منه، فالله تعالى يقول: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}،[5] فقد خصّ الله تعالى المسلمين التائبين بالمغفرة وبالأجر العظيم إن شاء الله، أولئك الذين تابوا وندموا ولم يصروا على ذنوبهم.

شاهد أيضًا: ما الفرق بين التوبة والاستغفار وما فضلهما وشروطهما

هل كل ذنب له توبة

إنّ الذنوب جميعها مهما بلغت من كبر تمحى بمجرد التوبة الصادقة لله تعالى، وذلك إذا ما توفرت شروط التوبة الثلاث، وهي الإقلاع والندم وعدم العودة للذنب، فقد قال الله تعالى: {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ}،[6] فإذا كان الله جلّ في علاه يغفر الكفر به إذا ما تاب الإنسان توبة صادقة، فكيف الحال بالنسبة لبقية الذنوب التي تعد جميعها أقل عظمًا من الكفر بالله والعياذ بالله، وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ ۚ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}.[7]

ويقول جل جلاله أيضًا: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ ۚ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ}،[8] ففي الآيات السابقة دليل واضح على قبول الله لتوبة عباده وسعة مغفرته جلّ في علاه، إذ هو رحيم بهم رؤوف بقلوبهم، وإذا تعددت ذنوب المرء فالتوبة على سبيل الإجمال تكفي بإذن الله تعالى.[9]

شاهد أيضًا: متى تظهر نتائج الاستغفار ، أهم فوائد الاستغفار للمسلم

شروط التوبة

إنّ التوبة هو أمرٌ مشروع قد سخّره الله لعباده لئلا يبقوا في ظلمات الذنوب ضائعين، فأحلّ بهم التوبة وفتح لهم باب المغفرة، ولكنّ هذه التوبة لتجزئ عن صاحبها ويغفر الله له الذنب الذي ارتكبه ينبغي أن يتوفّر بها شروط معيّنة، وهذه الشروط هي:[10]

  • الإخلاص لله عزّ وجل، وذلك بأن تكون توبة التائب خوفًا من غضب الله وطمعًا برضاه لا لأمر خارجي.
  • الإقلاع عن الذنب والابتعاد عمّا يفعله المذنب من ذنب يغضب الله تعالى.
  • الندم على ما اقترفه المذنب من ذنب.
  • معاهدة النفس على عدم العودة إليه مرة أخرى وأخذ الأسباب الموصلة لذلك.
  • أن تكون التوبة في وقتها المشروع، أي قبل أن يبلغ التائب مرحلة الموت، وقبل أن تشرق الشمس من مغربها، وإذا كان الذنب مما يتعلّق بحقوق العباد فينبغي أن يبرئ المذنب ذمّته من ذلك الحق لتتم توبته ويبرأ من حق العبد، فمن توفّرت هذه الشروط في توبته غفر ذنبه بإذن الله وقبلت توبته.

شاهد أيضًا: كيفية الاستغفار في الأسحار وفضله

هل الله يغفر جميع الذنوب

مهما عظمت ذنوب العبد، مهما بلغت من مبلغٍ عظيم، فإنّ الله عزّ وجل يغفرها، وذلك لأنّ رحمة الله واسعة قد وسعت كلّ شيء، وقد ذكر الله ذلك ليطمئن قلب المؤمن بألّا ييأس أو يقنط من مغفرة الله ورحمته حيث يقول: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ ۚ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ}.[8]

وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أنّه قال: “لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ المُؤْمِنِ، مِن رَجُلٍ في أَرْضٍ دَوِّيَّةٍ مَهْلِكَةٍ، معهُ رَاحِلَتُهُ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ، فَطَلَبَهَا حتَّى أَدْرَكَهُ العَطَشُ، ثُمَّ قالَ: أَرْجِعُ إلى مَكَانِيَ الذي كُنْتُ فِيهِ، فأنَامُ حتَّى أَمُوتَ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ علَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ، فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَاحِلَتُهُ وَعَلَيْهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَاللَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ العَبْدِ المُؤْمِنِ مِن هذا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ”،[11] وكذلك قد قال عليه وآله الصلاة والسلام: “التائبُ من الذَّنبِ كمنْ لا ذنبَ له”.[12]

فالذنب ما دام متعلّقًا بالله عزّ وجل فإنّ الله يمحوه بمجرد التوبة الصادقة، وأمّا الذنب المتعلّق بالعباد فينبغي على المرء أن يبرئ ذمته لتكتمل توبته ويتخلّص من حق العباد، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا * وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا}،[13] فالآيات السابقة هي أكبر دليل على مغفرة الله للذنوب جميعها، لذا ينبغي للمسلم ألا يفقد الأمل برحمة الله تعالى التي وسعت كلّ شيء.[14]

شاهد أيضًا: دعاء التوبة والاستغفار من الذنوب والمعاصي

متى لا يقبل الله توبة العبد

إنّ التوبة التي يقبلها الله عزّ وجل هي التوبة التي توفّرت فيها جميع شروط التوبة الصادقة، وأمّا التوبة التي لا يقبلها الله للعبد هي التوبة التي اختلّ منها أحد الشروط اللازمة للتوبة كما يلي:[15]

  • عدم الندم على الذنب
  • الإصرار على الذنب
  • عدم مجاهدة النفس للمواظبة على الاستقامة والبعد عن الذنب.
  • التوبة الصادرة من العبد وهو على فراش الموت وقد بلغ روحه مرحلة الغرغرة، وعندها يرى مقامه في الآخرة، وذلك لقوله تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ}.[16]
  • التوبة بعد أن تشرق الشمس من مغربها، وذلك لما ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم: “مَن تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِهَا، تَابَ اللَّهُ عليه”،[17] في هذه الحالات تصبح توبة العبد غير مقبولة، وذلك لاختلال أحد الشروط المهمة لصحة التوبة.

المراجع

  1. ^ islamweb.net، الفرق بين التوبة والتوبة النصوح، 28/03/2023
  2. ^ فتح القدير، عبد الله بن مسعود، الشوكاني، 2/433، حديث صحيح.
  3. ^ سورة التحريم، الآية: 8
  4. ^ binbaz.org.sa، توجيه نصيحة في التوبة إلى الله، 28/03/2023
  5. ^ سورة آل عمران، الآية: 135 - 136
  6. ^ سورة الأنفال، الآية: 38
  7. ^ سورة الشورى، الآية: 25 - 26
  8. ^ سورة الزمر، الآية: 53 - 54
  9. ^ islamweb.net، هل تكفي التوبة العامة أم لابد لكل ذنب من توبة؟، 28/03/2023
  10. ^ islamweb.net، خمسة شروط للتوبة الصادقة، 28/03/2023
  11. ^ صحيح مسلم، عبد الله بن مسعود، مسلم، 2744، حديث صحيح.
  12. ^ شرح كتاب الشهاب، أبو سعيد الأنصاري، السفاريني الحلبي، 261، حديث إسناده حسن.
  13. ^ سورة الفرقان، الآية: 68 - 71
  14. ^ islamweb.net، الله تعالى يغفر الذنوب جميعا، 28/03/2023
  15. ^ islamweb.net، التوبة المقبولة وغير المقبولة، 28/03/2023
  16. ^ سورة النساء، الآية: 18
  17. ^ صحيح مسلم، أبو هريرة، مسلم، 2703، حديث صحيح.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *